الشيخ محمد رشيد رضا

176

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أي أربعمائة وثلاثين مليون ميل وسبعمائة وثمانية وثمانين ألف ميل ، فكم يقطع في اليوم ثم كم يكون في السنة ؟ ؟ ( وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ) ان ما ظهر من أسرار القوة الكهربائية إلى الآن يقرب من العقل أن تكون بإرادة اللّه تعالى وحكمته كما قالوا منشأ التكوين والتطور في عالم الامكان بسرعة حركتها وكونها مصدر النور ، فارتباط اجزاء العالم بها وانتظامه بسنن اللّه تعالى فيها معقول ، وأما تولد العناصر منها وتجمعها وصيرورتها سديما كالدخان أو الغمام أو بخار الماء فهو طور ثان متأخر عن تولد بعض عناصر المادة من بعض وارتقاء ذلك في سلسلة الأسباب المتقدمة إلى جواهر الكهربائية الفردة فإذا فرضنا ان الكهرباء أول ما خلق اللّه تعالى من المادة فإنها تكون آخر حجاب مادي مما حال بين الماديين وبين معرفته تعالى في الدنيا ويحول بينهم وبين رؤيته في الآخرة ، فإذا انكشف هذا الحجاب وانتهى بالايمان في الدنيا فإنه ينتهي بالرؤية في الآخرة التي هي أكمل المعرفة ولكن الحجب كثيرة كما تقدم وكون الكهرباء أول ما خلق اللّه تعالى من المادة لم يبلغ درجة العلم القطعي الآن ، فهي باعترافهم مركبة ، ومنقسمة إلى موجبة وسالبة ، وآثارها من إثارة الحركة وتوليد النور وغير ذلك انما تكون باقتران الزوجين الموجب والسالب فيجوز أن يكون ذلك بأمر اللّه تعالى ابتداء كما يجوز أن يكون بسبب مادي آخر أو بسبب روحي سابق عليها في الخلق فيكون هو الحجاب الأخير الذي لا يبقى بعد انكشافه إن هو انكشف الا معرفة الخالق ورؤيته كفاحا بدون حجاب البتة - فهذا ما أشرت اليه في تلك الحاشية من التقريب بين ما ورد من التجلي الإلهي في الحجب ومن وراء الحجب ، ولكن كان من السهو جعلنا إياها على اجمالها وابهامها في مجموعة الحديث النجدية وأكثر قرائها لا إلمام لهم بشيء من هذه العلوم ولا الاصطلاحات التي يستغنون عنها في هذا المقام بقوة ايمانهم واعتصامهم فيه بهدي السلف وتكرر التنبيه فيهما على أننا إنما نذكر أمثال هذه المسائل في المنار وفي تفسيره لتقريب معاني النصوص من عقول المطلعين على هذه العلوم من أبناء هذا العصر المفتونين بها ، فإذا رأى هؤلاء أن أبعد ما ورد في الكتاب والسنة عن مألوف البشر من اخبار عالم الغيب يتفق مع أحدث ما قرره العلم المبنى على التجارب والبحث العملي فالمرجو